حول المسجد

منهج المسجد

  • المحافظة والاتباع ونبذ الابتداع عملا بوصايا المشائخ رحمهم الله: حيث نجد علماء الأمة الإسلامية قاطبة يوصون بالاتباع للسلف، وعلى سبيل المثال يقول العلامة أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه “الدليل والبرهان”: فإن قال قائل: هذه أمة أحمد (صلى الله عليه وسلم) قد أصيبت باتباع أوائلها، وما يدريكم لعلكم أنتم أيضا ممن أصيب باتباع أوائله؟ ولم قضيتم أن أوائلكم على الهدى وأوائل غيركم على الردى، وأوائلكم غير معصومين كأوائل غيركم؟ قلنا، وبالله التوفيق: إنا اتبعنا أوائلنا وحاسبناهم واتبعناهم تقييدا ولم نتبعهم تقليدا، فعولت أوائلنا على الوزن بالقسطاس المستقيم والبرهان القويم وهو الكتاب والسنة ورأي المسلمين، وذلك أنه لم تفترق فرقة بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلا كان أوائلنا في أفضلها حتى انتهى الأمر إلينا.

ويقول الشيخ أبو محمد اللواتي في وصيته لأهل الدعوة في اتباع أثر من مضى: “ثم إني موصيكم إخواني ونفسي بتقوى الله العظيم في السر والإعلان، وباتباع آثار دعوة المسلمين فإن الاتباع أولى بالهدى من الابتداع … الخ.

ويقول: الشيخ أبو نصر الملوشائي في مخمسه:

عَلَيْكُمْ بِآثَارِ الْمَـشَائِخِ فَاقْتَـدُوا      وَإِيَّاكُمُ وَ الْحَيْـدَ عَنْهَا فَتَرْتَـدُوا
بِمَنْهَجِهِمْ تَحْظُوا وَتَنْجُوا وَتُرْشَدُوا فَمَنْ زَاغَ عَنْهُمْ ضَلّ عَمَّا بِهِ هُدُوا
فَأَجْهِلْ بِذِي التَّضْلاَلِ فِي لَيْلَةِ الْبَدْرِ

ثم إن هذه المحافظة والتمسك مما يغبطنا به كثير من الناس الذين أدركوا ووعوا وفهموا مقاصد الشريعة وسماحة مذهبنا الحنيف، وليس بغائب عنا ما أقره بعض الدعاة [محمد راتب النابلسي درس في مسجد الوادي 14/03/2013] الذي وفد إلى هذا الوادي وقام بزيارة للقصر وإلى المسجد الكبير حيث لم تسبق له من قبل زيارته، فألقى درسه في مسجد الوادي ثم ختم درسه مستدركا بنصيحة تعبر عن شعور لا إرادي بما تركه لنا أجدادنا أولياء الله الصالحين من الهداية الربانية، وأوصى بالمحافظة عليها وأن هذا التراث القديم لا يقدر بثمن وقال: إن هؤلاء الأجداد رسموا لكم منهجا فحافظوا عليه …

  • المحافظة على الدين والتمسك بأصوله: إن الناس في الوطن منذ حوالي ألف سنة إلا سبعين عاما أو أكثر ولا تصل إلى القرن كانوا مجتمعين على رأي واحد منقادين للمسجد حتى جرى في ألسنتهم قديما (بابانغ داعساس مامنغ تامجيد) ثم تفرقوا وصاروا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، إلا الذين حافظوا على العهد والأمانة لا مبدلين ولا مغيرين وفي الخبر: (لا تزال طائفة من أمتي بالمغرب قائمة على الحق لا يضرهم من ناوأهم).

وهنا وصية جليلة أوردها الشيخ أبو اليقضان في كتابه “ملحق السير” عن الشيخ الحاج بابكر بن مسعود رحمه الله حيث قال: ومما يروى لنا عنه من الحكم والوصايا قوله:

إذا رأيت الناس يخوضون في الفتنة، في هرج ومرج، فاقعد أنت حيث ما كنت، لا تجاريهم في هرجهم ومرجهم، حتى إذا هم هاجوا وماجوا وضلوا عن الطريق وعيوا، تراجعوا وتلمسوا معالم الحق والصواب، وجدوك حيث كنت قاعدا، واستأنفوا السير معك إلى هدفهم الحق، فكنت لهم منار الهدى، وعلامة النقطة للانطلاق إلى غايتهم المنشودة، فرجعوا إلى ما أنت عليه من الرشد والحق من غير عناء.

(ملحق السير 2/193)

وذلك عملا بوصية الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر الفرسطائي – رضي الله عنه – : مؤسس نظام حلقة العزابة (ت 440هـ):  حيث قال: (من أراد الطريق فليقطع عليها من فوق).

وهو أن من الناس من يقول أن الأمور التبست عليه وكثرت السبل فلا يدري إلى أيها يتوجه؛ فدواءه أن من أراد أن يسلك مذهبنا وسيرتنا فليعلم تاريخها من البداية حتى يسلكها بإخلاص ويقين، ولا ينتقد من الواقع الأخير أو يبدأ من النهاية التي لا تفيد حقيقة البداية وذلك من أجل أن يساير المذهب عن تقييد لا عن تقليد فيرى كفاح الأولين ويكون مثلهم ولقد ورد في كتاب طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني (2/ 250).

رسالة المسجد العتيق

قال تعالى: “لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ

سورة التوبة 108

إن المسجد الكبير العتيق الإباضي هو أول مسجد بني في قصر غرداية وقد مرت عليه أزيد من عشرة قرون ولا يزال محافظا على هيكله المادي والمعنوي وهو المرجع الديني والروحي حيث أنه يستمد شرعيته وشريعته من كتاب الله عز وجل ومن سنة الرسول الأعظم عليه أزكى الصلاة والسلام مستمسك أهله بحبل الله المتين من نسب الدين من يومنا هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن اللوح المحفوظ عن الله عز وجل بدءا بطلبة طلبة الشيخ حمو بن باحمد باباوموسى رحمه الله ومنه إلى قطب الأئمة الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش رحمه الله وهلم جرا، ولولا خوف الإطالة لأتينا على هذا النسب كله شيخا عن شيخ وهي موجودة مطبوعة لمن أراد أن يطلع عليها.

وهذه المحافطة دليل على الصمود والتصدي وإلا فلولا فضل الله عز وجل لما كان للمسجد ولا للصومعة بعد ألف عام أثرا ولكانا خبرا بعد عين، وذلك أن الله عز وجل حقق لأوليائه وعدهم حيث قال: “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ” ويظهر هذا التأييد الرباني في البناء المادي والروحي، وفي الخبر (احذروا فراسة المؤمن فإنه بنور الله يبصر) فإن الذين بنوا الصومعة أول ما بنوها بتصميم دقيق جدا في شكله وطوله وقاعدته وعدد دروجه يعجز عنه الخبراء.

علما على أن الأوائل رحمهم الله لم يدرسوا في جامعات ولم يتخرجوا من معاهد خاصة، ولكنها معية الله سبحانه وتعالى، فلما كانوا يعلمون تضاريس المنطقة ومناخها صمموا الصومعة على أن تكون صامدة تنكسر الرياح والأعاصير على حوافها الأربعة مع ميلها قليلا نحو رياح (إينوجا) التي تكون غالبا قوية وتدوم لعدة أيام وشرح أسرارها يطول ولا بأس أن نورد بعضها: إن شكلها الخاص المخروطي حيث يبدأ بقاعدة كبيرة ثم يتقلص شيئا فشيئا إلى أن ينتهي بأربع نتوءات، فحيثما عمر الإباضية قديما كانت لهم صومعة على هذا الشكل.

ثم إن عدد درجاته  114 على عدد سور القرآن الكريم، وأن عدد النتوءات في أعلى الصومعة اثنا عشر منها أربعة كبار يتخللها ثمانية صغار اثنتان من كل جهة تمثل في مجموعها عدد حلقة العزابة الإثنى عشر على أن الأربعة بمثابة الأربعة القدامى في الحلقة وإليهم يرجع الفصل في القضايا ويجمعهم الشيخ المتمثل في الصومعة كلها.

إلى غير ذلك من كونه في الجهة الظهراوية للمسجد حيث يخرج منه المؤذن سائرا إلى المحراب وهو متوجها إلى القبلة ..

أما البناء من الجانب الروحي للمسجد الكبير الذي صمد أمام جميع الهزات والأعاصير فكان السر فيه هو المحافظة على نظام حلقة العزابة الذي تنكسر على حوافه أغراض المغرضين ويقف دون أطماع المنتهزين، وهو محصن بسور (السيرات-النظام) فمتى حافظ المسلمون عليها وعضوا عليها بالنواجد دامت لهم الأيام واستقامت لهم الأحوال ومتى ما ضيعوها وتساهلوا فيها خر عليهم السقف من فوقهم أو أخذوا من تحت أرجلهم فصاروا إلى خبر كان.

لهذا فإن رسالة المسجد الكبير لا تقتصر على إقامة الصلوات الخمس وإذاعة الدروس والخطب من المنبر فحسب؛ بل تتحمل أمانة الدين للأجيال لتبلغها جيلا بعد جيل وهذه الأمانة المتمثلة في المجالات التالية:

  • الديني: الذي يعنى بالعبادات والفتاوى بالقول المعمول به عند الإباضية المغاربة اعتمادا على أمهات الكتب كالإيضاح والقواعد والوضع والنيل وشرحه مما يدرس في حلقات العلم التابعة للمسجد الكبير، قال القطب رحمه الله في بعض جواباته: أقول:

حسبنا ما في كتبنا لا نتجاوزه إلى غيرها، ولا إلى قياس ونظر، ولا سيما ديوان المشايخ فإنه معتمد أهل المغرب خصوصا نفوسة، فالإيضاح فديوان أبي زكرياء يحيى بن الخير فديوان الأشياخ.

  • التربوي: الذي يعنى بالعلم والتعلم في محاضر القرآن وحلقات العلم مع الحرص على زرع الآداب والأخلاق الكريمة المتمثلة في السيرات التي منبعها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كما أشار إلى ذلك الشيخ بلحاج بن عدون قشار رحمه الله في كتابه: “عوائد ميزاب سنن لا تقاليد”
  • الاجتماعي: الذي يعنى بجانب الأسرة من الإشراف على الأفراح والأتراح والزواج والفراق -لا قدر الله- تسوية بين الطبقات دفعا للمباهاة وتيسيرا لكل الناس أن يصلوا إلى حاجاتهم الضرورية من بناء الأسرة.
  • الاقتصادي: الذي يعنى بجانب الأوقاف (تينوباوين) وتبرعات المحسنين التي هي مورد للفقراء والمساكين بما يسد حاجتهم من الطعام دون تعرض للطلب.

وما يوقف للمساجد والمقابر والمشاريع الخيرية والتعليمية من ذوي الإحسان التي تعنى بالعلم الشرعي الضروري حيث يصل منه الفتيان والفتيات إلى تعلم دينهم مجانا بدءا بحفظ كتاب الله عز وجل، وإلى تعلم ما لا يسع جهله من توحيد رب العالمين، والاعتقاد الصحيح في مسائل أصول الدين، وتعلم أداء الفرائض من الصلاة والصوم وجميع أركان الإسلام والحقوق وجميع العبادات، تدرجا حسب المدارك والمستويات، حيث ينتج عنه الاستقامة والسلوك الحسن للذكور وللإناث.

لهذا تفتح تربصات في دورات لتعليم الصلاة موزعة حسب الإمكان على فصول السنة في أماكن متعددة ليلتحق بها من تأهل لها، على أن من بلغ الحلم قبل وقت التربص يجب عليه فورا أن يبدأ الصلاة فيجد لذلك من يعلمه سواء للذكور في المسجد أو للإناث في دار تيمسيريدين وكذلك أياما تعليمية قبل دخول شهر رمضان المعظم لتعليم الجاهل وتذكير الناسي.

وكذلك تفتح أبواب المحاضر طول أيام السنة لتحفيظ القرآن الكريم كما تعقد كذلك تربصات خاصة في الصيف أو أيام الاستراحة من التعليم الرسمي.

إيمانا بهذا النهج ووعيها بمدى المسؤولية الملقاة على عاتقها فإن حلقة العزابة للمسجد العتيق لتبذل قصارى جهدها في تحقيق رسالتها للأجيال التي يتناقلها الخلف عن السلف منذ تأسيس المسجد العتيق في القرن الخامس الهجري وفق أحكام الشرع وتغيرات الزمان والمكان، وكل هذه المجالات السالف ذكرها والمشاريع لتقوم على عاتق العضد الأيمن والساعد القوي للعزابة وهم إروان وإمصوردان والطلبة وغيرهم من المخلصين حملا لأمانة الدين وطلبا للرضوان من الله الجليل.

فالحمد لله الذي امتنّ علينا بفضله، وجعلنا من عباده المسلمين، وأنعم علينا بالعلماء الربانيين، خلفاء الرسول النذير المبين، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار وصحابته الطيبين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وما ألهم الله به مشائخنا للسير التي هي الحصن الحصين والسر المكنون في استمرار مذهبنا الحنيف، وبزوالها يزول لا قدر الله ويكون خبرا بعد عين، وقد بينوا لنا المحجة ولقنوا لنا الحجة وحفروا لنا الطريق السوي الذي من سلكه أوصله إلى سعادة الدارين، ومن وثب منه ضل سواء السبيل وخسر مع الخاسرين، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبه وسلم تسليما والحمد لله رب العالمين

احجز زيارتك لرؤية التراث التاريخي والأثري واستكشاف التفاصيل الهندسية للمسجد

زر الذهاب إلى الأعلى