حلقة العزابة

كلمة العزابة اشتقت من العزوب عن الشيء وهو البعد عنه أو بمعنى العزلة والغربة ويقصد بها في هذا الاستعمال البعد عن الأمور الدنيوية الشاغلة عن الاخرة والانقطاع إلى خدمة الدين والمصلحة العامة، واستعملت لقبا لكل من لازم الطريق وطلب العلم وعمل بسير أهل الخير من السلف الصالح تحت نظام حلقة العزابة.

والأسباب التي أدت إلى إنشاء هذا النظام هي الظروف التي مرت بالإباضية منذ نهاية القرن الثالث الهجري ففكر العلماء في وضع أسس يمكن عن طريقها تطبيق الشريعة الإسلامية بين تجمعات الاباضية ما دامت الظروف لا تمكنها من إعادة بناء دولتهم كما أشار إلى ذلك الإمام يعقوب بن أفلح: «لا يستتر الجمل بالغنم».

وأول مؤسس لهذا النظام هو العالم الاباضي الكبير الشيخ عبد الله محمد بن أبى بكر الفرسطائي في أواخر القرن الرابع الهجري بإشارة من شيخه فصيل بن أبي مسور، ولذلك عرف هذا النظام بـ “السيرة المسورية البكرية.

فبعد أن مكث الشيخ أبو عبد الله أربعة أشهر درس فيها الأوضاع العرفية التي كانت تحكم المجتمع الاباضي مستنداً إلى تشريعات الإسلام وبعد استخارة الله عز وجل وضع الدستورً المعروف ” بنظام العزابة” ويعتبر من أقدم القوانين التي وضعت في المجتمعات الإسلامية، ثم جاء بعد الشيخ أبي عبد الله عدد من العلماء كالشيخ ابي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي والشيخ أبي عمار عبد الكافي وغيرهم فعنوا بدراسة هذا القانون وأضافوا أليه بعض المواد أطلق عليه ” سيرة العزابة”.

فالعزابة هي هيئة محدودة العدد تكون من اثني عشرا عضوا وقد يزيد عددهم، يعملون وفق ضوابط معينة للإشراف الكامل على شؤون المجتمع الإباضي الدينية والاجتماعية والتربوية.

ويجب توفر شروط محددة في الشخص لكي ينضم إلى حلقة العزابة من أهم هذه الشروط:

  • أن يكون من الطلبة أي من إروان أو من إمصوردان وليس من العامة لضمان انتقائه وتعلمه السير والنظام.
  • أن يكون طاهر الظاهر والباطن عفيفاً.
  • وأن يكون حافظا لكتاب الله تعالى عاملا به.
  • وأن يكون قد التحق بالمدارس واستكمل مراحل الدراسة مع الرغبة في مواصلة العلم وذلك بحضوره في حلقات العلم للمشائخ في المسجد أو حوله.
  • وأن يكون متديناً معتزا بمذهبه وبسير مشايخه محافظا عليها وعلى زي العزابة الرسمي وخاصة عند حضور مجالس الذكر وقراءة القرآن وعند حضور الجنائز وجميع المناسبات، هذا من الناحية العلمية والآداب.
  • وأن لا تكون له مشاغل دنيوية تجعله يكثر التردد على الأسواق والمحال العامة ومخالطة الناس حفاظاً على مهابته، بل يحرم عليه الحضور في مجالس اللهو ومخالطة النساء.
  • وأن يكون حازما نشطا في أعماله خالصا لوجه الله عز وجل لا ينتظر من الناس جزاءا ولا شكورا.

وقد روعيت هذه الشروط بدقة في قبول الشخص في الحلقة وذلك للمهام الكبرى التي توكل إليه، ومن تلك المهام:

  1. . الإشراف العام على المجتمع الاباضي وضبط الأحوال الاجتماعية في المناسبات الفرحية أو القرحية.
  2. القيام بوظائفهم المنوطة على عاتقهم من إمامة الصلوات الخمس وغيرها والآذان والقيام بحقوق الموتى.  
  3. الإرشاد الديني والفتوى في مسائل الدين والدنيا وكتابة الوصايا وكيفية تنفيذها.  
  4. الإشراف على الأوقاف وتبرعات المحسنين ومراعاتها وضمان سيرها حسب نيات أصحابها.
  5. الإشراف على التعليم الشرعي والعمل على إتاحة الفرصة لكل الناس ذكورا وإناثا على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم لينالوا قسطا منه.
  6.  الإشراف على العلاقات الخارجية بين المجموعات الاباضية وبينها وبين غيرها لضمان حسن المساكنة وحسن الجوار.

وتتخذ حلقة العزابة مقرها بالمسجد بيت خاص يعقدون فيه اجتماعاتهم يسمى “تامنايت” ومنه تصدر قراراتهم لتبث على المستمعين في المسجد أو خارجه بقدر الإمكان وحسب الوسائل.

ولضمان انقياد الناس وخضوعهم للحلقة يجب أن يكون العزابة مثاليون لأنهم كالمرآة وذلك بسلوكهم الحميد ونزاهتهم وتفانيهم في خدمة المجتمع.

ولضمان السلوك الحسن للعزابة فقد وضعت ضوابط لمعاقبة من يخرج على نظام الحلقة من أعضائها وذلك بمعاملته بالبراءة: براءة الهجران لمن خالف النظام والسير، وبراءة اللعن لمن اقترف كبيرة، فإن ارتكب أي عضو مخالفة بينه وبين الحلقة وكانت صغيرة عقد له مجلس تأديب سري يعلن فيه العضو توبته وقد يبعد عن الحلقة لمدة تقررها الحلقة، أما إذا كان الخطأ كبيراً يتمثل في معصية الله أو يلحق بالحلقة ضرارا ماديا أو معنويا حكموا عليه ببراءة اللعن ولا يرفع عنه هذا الحكم حتى يتوب علناً وليس له الحق في الرجوع إلى حلقة العزابة لأنهم يرونه قد دنس نفسه ودنس الحلقة.

زر الذهاب إلى الأعلى