الأرشيف التاريخي

ترجمة العالمة نانا تبركانت النفوسية

( ق 4 هـ )

عَجُوزٌ صالِحَة، وحكيمة فصيحة، وعالِمَة جليلة، من أهل سدراتة بِجَبل نفوسة بليبيا. اشتهرت بين العلماء بشهرةٍ لَمْ يَبْلُغْ إليها أحدٌ في زمانِهَا، فِي مَجَالِ العِلْمِ وَالفِقْهِ، وَتَرَكَت العَدِيدَ مِنَ الأَقْوَاِل وَالحِكَم وَالوَصَايَا فِي بُطُونِ الكُتُبِ وَالمُؤَلَّفَات « وَإذَا أُطْلِقَ لَفْظُ (العَجُوز) أو لفظ (الجَدَّة) أو لفظُ (جدة المشايخ) [ أو جدة الشيوخ ] في كتب الفقه وكتب السيرة؛ فالْمَعْنِيُّ بذلك إِنَّما هِي (نَانَّا تَبَرْكَانْت) العالِمَة الفاضلة الصالِحَة». لِأَنَّ أَغْلَبَ أَولاَدِها وَأَحفَادِها عُلمَاء وَشُيُوخًا.

كانت هذه العجوزُ ملاذَ كثيرٍ من الناس للاحتماء بِهَا عند الْمُلِمَّات، وإليها لَجَأَت البنتُ الصالِحَةُ البصيرةُ الضريرةُ التي غُلِبَتْ على نفسها فحَمَلَتْ، وخافتْ مِنْ أخيها فهربت، حتى أتَت العجوزَ فوَلَدَتْ عندَها غلامًا، وتابَتْ إلى ربِّها وعاشت مَعَها.

وكانت لأبِي هارون موسى بن هارون البارونِي التملوشائي امرأةٌ صالحة من خيار المسلمين، لكنها لَمْ تَلِدْ معه، فاجتمع إليه أهلُ الرأي من المشايخ، وكلّموه أن يتزوج غيرها رجاءَ أن يُرزق منها ذريةً صالحةً تقتفي أثره وتنفع المسلمين، فقَبِلَ منهم ذلك، وفوَّض إليهم الأمر في الْخِطْبة، فالتَمَسُوا امرأةً تصلح له، فلم يَجِدُوا إلا ابنةَ العجوز العالِمَة « تَبَرْكَانْت »، فخطبوها وجلبوها إليه، فبارَكَ اللهُ له فيها، ورُزِقَ منها أولادًا كان منهم علماء أجِلاّء.

ويُسَجِّلُ لنا التاريخُ تلك الوصية الجامعة للعجوز « تَبَرْكَانْت » عندما زارها جَمْعٌ من العزّابة. فقالوا لَهَا : أوْصِنَا يا عَجُوز. فقالت: كيف أوصيكم وأنتمُ الرجال، منكم الأنبياء والرسل، ومنكم الأمراء والوزراء ومنكم الْمُؤَذِّنُونَ والأئمة ؟ قالوا: لا بُدَّ، فإنَّ الذِّكْرى تنفع المؤمنين.

قالت : « إيّاكم وكثرة الكلام لئلا تكذبوا، وإياكم وكثرة الأَيْمَان لئلا تَحنثوا، وإياكم وكثرة الدلالة لئلا تسرقوا، وإياكم والتهمة لئلا تَظلموا ».

قالوا: زيدينا،

قالت: « إياكم أن تكون زيارتُكم طلبَ حوائجكم، ومصافحتُكم مقارعةً، وأكلُكم أكلَ النُّهَماء، ومشيُكم مشيَ الْمَرْضَى، ونومُكم نومَ الْمَوْتَى ».

قالوا: زيدينا،

قالت: « شرُّ الصدورِ صدرٌ لا رأفة فيه، وشرُّ الأقدام قَدَمٌ لا يزور في الله، وشرُّ البيوت بيتٌ لا يدخله المسلمون، وشرُّ المالِ مال لا ينفق منه ».

ثُمَّ ذكَرَتْ كلامًا بالبربرية يَرْجِعُ معناه إلى قول بعض الحكماء: « نَقِّ العملَ فإنَّ الناقد بصير، جَدِّدِ السفينةَ فإنَّ البحر عميق، كَثِّرِ الزادَ فإنَّ السفر بعيد، خَفِّفِ الحِمْلَ فإنَّ العقبة كَؤود ».

وهذه الأسطرُ كافيةٌ للدلالة على مركز هذه المرأة العظيمة، واتّساع علمها ودراستها لِمُجْتَمعها، ومعرفتها بأسرار الشريعة وأسرار النفوس.

المصادر:

  • مجهول : المعلقات ص91 .
    •البغطوري : سيرة أهل نفوسة (مخ ) 14، 19 –20.
    •الشماخي : السير 1/ 249 و2/1 .
    •أبو اليقظان : سليمان باشا الباروني 1/ 10.
    •علي معمر : الإباضية في موكب التاريخ ح2ق2/ 252-253 ،ح2 ق 1/ 190- 191.
    •أعوشت وكروم : مسلمات صالحات 60-63.
    •جمعية التراث : معجم أعلام الإباضية 2 / 207 و4/ 902.
    •الشقصية : السيرة الزكية 109 ـ 110.
  • ملاحظات:
  • وَرَدَ اسمُ المترجَم لَهَا في بعض المصادر: نانا تبركانت.
  • الوصية المشار إليها أعلاه وَرَدَتْ في كتاب المعلقات في أخبار أهل الدعوة منسوبةً إلى عجوزٍ بِجَبل نفوسة لَمْ يُذكَر اسْمُها، وقد اشتَهَرت نسبتُها في المصادر المتأخرة إلى العجوز تبركانت.
  • ذُكِرَ في ترجمة العجوز تبركانت في معجم أعلام الإباضية 2/ 207 أنَّها هي التي تزوَّجَت الشيخَ أبا هارون موسى الباروني، ورُزِقَ منها أولادًا نبغوا في العلم حتى عُرفت لذلك بــ « جدة الشيوخ » وهذا وَهْمٌ، والصوابُ ما أثْبَتُّهُ هنا منْ أنّ بنتها هي التي تزوجها أبو هارون، وقد صُحِّحَتْ هذه المعلومة في المعجم نفسه في ترجمة الشيخ أبي هارون التملوشائي. ج4/ ص902.&26 صـ26.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى