

حمٓ (1) وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ (2) إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ (4) أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ (5) رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ [الدخان: 01-06].
قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حمٓ قيل الحاء إشارة إلى اسم الله الحي، والميم إشارة إلى اسمه القيوم، وهما قيل اسم الله الأعظم أقسم بهما على حذف حرف القسم، وقيل حم اسم للسورة، وقيل لمجموع القرآن، وعليه إنما ساغ القسم به.
وبقوله: وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ مع أن العطف يقتضي التغاير، اكتفاء بتغاير المفهوم ولو اتحد الماصدق، وتكرير القسم لتأكيد الإنزال، وحاصل المعنى: والحي القيوم أو والسورة أو والقرآن والكتاب المبين أي البيّن معانيه لمن أنزل عليهم، أو الموضح لكل ما يحتاج إليه من أبواب الديانة، ولطريق الهدى من طرق الضلال.
إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ أي الكتاب المبين الذي هو القرآن وهو جواب القسم وجاز القسم على الشيء بنفسه تنويها له كقولنا والله إن الله أحد.
فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ وهي ليلة القدر على الصحيح وهي في رمضان، وقيل هي ليلة النصف من شعبان وسميت بذلك لكثرة الخير فيها ولخيرها وبركتها على العاملين الخير فيها، وتسمى أيضا ليلة الرحمة، وعن ابن عباس: إن الله يقضي الأقضية ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى أربابها ليلة القدر، كما يأتي بيانه إن شاء الله ولهذه الليلة خصائص:
منها ما ورد في الحديث: (من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله تعالى إليه مائة ملك: ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان).
ومنها: حصول المغفرة لحديث: (إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا كاهن أو ساحر أو مشاحن أو مدمن خمر أو عاق لوالديه أو مصر على الزنى) وقال في كتاب تحفة الإخوان ما نصه([1]): وجاء من حديث عبد الرحمن بن سلام عن عثمان بن أبي العاصي قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان ليلة النصف من شعبان وذهب ثلث الليل ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فيقول: هل من داع فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، فيغفر للمؤمنين إلا زانية تكتسب من فرجها، وعشار أو رجل بينه وبين أخيه شحناء) إلى أن قال ما نصه: وقد اجتمع من هذه الروايات المتقدمة عدة المحجوبين عن المغفرة وهم: مشرك ومشاحن وعشار وقاتل نفس وقاطع رحم ومسبل الإزار وزان وشارب خمر وقتات ومصور وعاق ومضرب في التجارات وهو الذي يخلط الرديء بالجيد([2]) ومبتدع ورافض في قلبه شحناء للصحابة، فمن تخلق بشيء من هذه الذنوب فاته الفوز بالغفران في ليلة النصف من شعبان إلا أن يتنصل من ذنوبه ويتوب إلى ربه ويخلص توبته..الخ ما قال. وفي حديث آخر: (إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب) ومعنى نزول الله نزول ملك الله يقول عن الله تعالى.
ومنها: أنه ﷺ أعطي فيها تمام الشفاعة وذلك أنه سأل في أمته ليلة الثالث عشر منه فأعطي الثلث وليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين وليلة الخامس عشر فأعطي الجميع إلا من شرد عن الله شراد البعير.
ومنها: حصول جميع المطلوب لحديث: إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: (ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه. ألا كذا؛ ألا كذا حتى يطلع الفجر).
وذكر أنه تقرأ سورة يس ليلة النصف من شعبان ثلاث مرات: الأولى بنية طول العمر، الثانية بنية رفع البلاء، الثالثة بنية الاستغناء عن الناس، ثم يدعو بالدعاء الآتي عشر مرات يحصل المراد إن شاء الله وهو هذا: (إلهي جودك دلني عليك وإحسانك قربني إليك أشكو إليك ما لا يخفى عليك وأسألك ما لا يعسر عليك إذ علمك بحالي يكفي عن سؤالي يا مفرج كرب المكروبين فرج عني ما أنا فيه، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المومنين، اللهم يا ذا المن ولا يمن عليك يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول والإنعام لا إله إلا أنت ملجأ اللاجئين وجار المستجيرين، اللهم لا تجعلني شقيا أو محروما أو مطرودا أو مقترّا علي في الرزق، اللهم أسعدني بفضلك وارزقني رزقا حلالا واسعا ووفقني للخيرات وامح ذنوبي وثبت حسناتي فإنك قلت في كتابك المنزل على لسان نبيئك المرسل: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، أسألك اللهم بحق التجلي الأعظم، في ليلة النصف من شعبان المكرم، التي يفرق فيها كل أمر حكيم ويبرم، أن تكشف عنا من البلاء ما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم).
وعن عائشة رأيت النبي ﷺ ليلة نصف من شعبان ساجدا يدعو فنزل جبريل فقال: إن الله قد أعتق هذه الليلة ثلث أمتك من النار، فزاد في الدعاء فرجع جبريل إليه قائلا: إن الله يقرئك السلام ويقول أعتقت نصف أمتك من النار، فزاد في الدعاء فرجع جبريل إليه قائلا: إن الله يقرئك السلام ويقول أعتقت جميع أمتك من النار بشفاعتك إلا من كان له خصم حتى يرضى خصمه، فزاد في الدعاء فنزل جبريل عند الصبح قائلا: إن الله قد ضمن لخصماء أمتك أن يرضيهم بفضله ورحمته فرضي النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك فيمن تاب نصوحا معتقدا رد المظالم ولم يجد ما يردها به.
إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ استئناف بياني لما يقتضيه الإنزال، فكأنه قال في جواب سؤال مقدر هو مثلا: لأي فائدة هذا الإنزال؟ إنا أنزلناه لأنه من شأننا الإنذار والتخويف بالعقاب لا الإهمال.
فِيهَا يُفۡرَقُ أي يفصل ويكتب للملائكة خارجا بعد الاستتار والاختلاط بالغير في اللوح، كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ محكم أي متقن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم التي تقع في السنة من تلك الليلة إلى مثلها من قابل، فالليلة عند الحسن وغيره ليلة القدر، وعند عكرمة وغيره ليلة النصف من شعبان، وعن ابن عباس جامعا بين القولين: تقضى الأقضية كلها ليلة النصف من شعبان، وتسلم إلى مدبرات الأمور ليلة القدر، ومدبرات الأمور: هم ميكائيل وجبرائيل وإسماعيل ملك عظيم صاحب سماء الدنيا وعزرائيل، كما قيل يكتب في تلك الليلة ما يقع في جميع السنة من رزق ومطر وتزوج وطلاق ومرض وصحة وحياة وموت وآفة وعافية وصلح وفتنة وحرب وحج واعتمار وغير ذلك فلا يزاد على ذلك ولا ينقص، وإن الانسان لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى، وتدفع نسخة الأرزاق والأمطار والخصب إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل، ونسخة المصائب إلى عزرائيل.
أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ أي أعني هذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا على مقتضى حكمتنا، فالنصب على الاختصاص والظرف نعت وفيه غير ذلك، إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ رسلا قبل محمد ﷺ فأرسلناه كما أرسلناهم، رَحۡمَةٗ علة للإرسال فهو مفعول له لمرسلين، مِّن رَّبِّكَ مقتضى الظاهر منا ووضع موضع المضمر ظاهر وهو رب، للإشعار بأن ذلك من أحكام الربوبية ولتشريفه ﷺ بإضافته إلى ضميره، وحاصل المعنى إنا كنا مرسلين محمدا ﷺ رحمة لقلوب أوليائنا بالتحقيق ولنفوسهم بالتوفيق، وأيضا إنا كنا مرسليه رحمة مهداة من ربك ليخرج المشتاقين من ظلمة الفرقة إلى نور المواصلة.
إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ أي العليم بكل ما من شأنه أن يسمع ولا سيما أنين المشتاقين، ٱلۡعَلِيمُ بكل شيء ولا سيما حنين المحبين فلا يخفى عليه سبحانه شيء من أقوال العباد وأفعالهم وأحوالهم فيجازيهم على حسب ما اقتضاه كسبهم.
فعلى العاقل أن يجدّ ويجتهد في اكتساب الطاعات ولا سيما في الأوقات الفاضلات مثل ليلة النصف من شعبان ويومه، ففي الحديث: (من اغتسل ليلة النصف من شعبان لم يزل طاهرا سنته كلها) ومن أحياها لم يمت قلبه يوم تموت القلوب أي بحب الدنيا، أو المعنى لا يحير عند النزع ولا في القبر ولا في القيامة، ومن صلى فيها مائة ركعة بالإخلاص ثلاثا كتب الله له بكل ركعة وسجدة ثواب شهيد، ويدخل الجنة بغير حساب مع سبعين ألف ولي من أولياء الله، ويفتح له أبواب الجنة يدخلها من حيث شاء ولا يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده من الجنة، ولا تصيبه شدة يوم القيامة حتى يدخل الجنة ضاحكا مستبشرا مع تسعين من أهل بيته وجيرانه، ويفتح له في قبره باب إلى الجنة من يمينه وآخر من يساره.
وينبغي فيما قيل الاحتياط على صلوات الفجر بمائة الركعات المذكورة، وفي الحديث: (من صام يوما من شعبان حرم الله جسده على النار، وكان رفيق يوسف في الجنان وأعطاه الله ثواب أيوب وداود) وروي: أن الجن وحيتان البحر والسباع والطير يصومون يوم النصف من شعبان، وفيه صلاة الخصم. وذكر أيضا: أن من صلى فيه أربع ركعات بفاتحة الكتاب والإخلاص اثنتي عشر مرة أعطاه الله من الخير والنعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وتقدم حديث: إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموها وصوموا نهارها .. الخ.
وحكي أن عيسى عليه السلام مر على جبل فرأى صخرة بيضاء فطاف بها متعجبا فأوحى الله إليه أتريد أن أبين لك أعجب من ذلك؟ قال: نعم فانفلقت الصخرة عن رجل بيده عكازة خضراء وعنده عنقود عنب فقال هذا رزقي في كل يوم ولم يجعل الله في بطنه فضلة فقال عيسى: كم عبدت الله في هذا الحجر قال أربعمائة سنة، قال عيسى: ما أظن أنك خلقت أفضل منه يا رب، فقال من صلى ركعتين ليلة نصف شعبان من أمة محمد ﷺ فهو أفضل، فقال عيسى: ليتني من أمة محمد ﷺ فركعتان فيها أفضل من عبادة أربعمائة سنة لا يعصي الله فيها.
وحكي أنه سئل مالك بن دينار رحمه الله وهو من أكابر التابعين عن سبب توبته فقال: كنت شرطيا ثم اشتريت جارية نفيسة فوقعت مني موقعا عظيما فولدت لي بنتا فشغفت بها فلما دبّت على الأرض ألفتني وألفتها فماتت حين تم لها سنتان فحزنت شديدا فلما كانت ليلة نصف من شعبان وكانت ليلة جمعة رأيت في منامي كأن القيامة قامت وبعث من في القبور وحشر الخلائق وأنا معهم فسمعت حسا فالتفت فإذا أنا بتنين عظيم أسود أزرق قد فتح فاه مسرعا إلي فمررت هاربا مرعوبا بين يديه فإذا بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة في طريقي فسلمت ورد فقلت أيها الشيخ أجرني من هذا أجارك الله فبكى وقال أنا ضعيف لا أقدر عليه فأسرع لعل الله يقيض من ينجيك منه فوليت هاربا فصعدت على شرافة من شرافات القيامة فأشرفت على طبقات النيران فكدت من فزعي أقع فيها فصاح بي صائح ارجع فلست من أهلها فاطمأننت إلى قوله فرجعت والتنين في طلبي فأتيت الشيخ وطلبته كأول مرة فبكى واعتذر بالضعف وقال سر إلى ذلك الجبل فإن فيه ودائع المسلمين فإن كان لك فيه وديعة تنصرك فنظرت فرأيت جبلا مستديرا من فضة فيه طاقات مستورة بستور من حرير فهرولت إليه والتنين في طلبي حتى قربت منه فصاح بعض الملائكة الموكلون بالجبل ارفعوا الستور وأشرفوا لعل لهذا البائس بينكم وديعة تجيره من عدوه فأشرف علي أطفال كالأقمار فوجا بعد فوج وأنا حائر لقرب التنين مني فإذا بابنتي التي ماتت قد نظرت إلي وبكت وقالت: أبي والله، ثم وثبت إلي ومدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هاربا ثم أجلستني وقعدت في حجري وقالت: يا أبت ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾[ الحديد: 16] فبكيت فقلت: يا بنتي أنتم تعرفون القرآن فقالت: نحن أعرف به منكم فقلت: أخبرني عن التنين فقالت: ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك في جهنم، قلت: والشيخ قالت: ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم تكن له قوة على عملك السوء، فقلت: يا بنتي ما تصنعون في هذا الجبل قالت: أطفال المسلمين أسكنوا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم، قال مالك: فانتبهت فزعا فكسرت آلات اللهو والمخالفة وتركت جميع ذلك وعقدت مع الله توبة نصوحا فتاب علي سبحانه وتعالى.
نسأل الله ببركة هذا الولي وفضل نصف شعبان أن يمن علينا بالتوفيق للتوبة النصوح إنه لمنان، ويحسن خواتمنا بقبول صالح أعمالنا وتوبتنا، إنه هو التواب الرحيم بجاه خاتم النبيين سيدنا ومولانا محمد ﷺ وعلى آله عندك يا الله يا جواد يا كريم.
كتاب ترغيب الراهب و ترهيب الراغب
للشيخ العلامة الشيخ حمو بن باحمد باباوموسى رحمه الله
([2]) أفاده شيخنا في إطالة الأجور.






