مقالات وإسهامات

فقه أحكام الأضحية

أحكام أضحية العيد

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبفضله تتم البركات، والصلاة والسلام على أشرف المخلوقات سيدنا محمد وعلى آله وصحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

لقد أطل علينا شهر عظيم وهو شهر ذي الحجة، وهو من الأشهر الحرم، وقد أقسم الله عز وجل بلياليه العشر في قوله: “والفجر وليال عشر”، واختصه الله تعالى بأعظم الشعائر، وفيه من العبادات ما لا يوجد في غيره من الأشهر وهو قصد البقاع المقدسة وما فيها من المناسك كالطواف بالبيت، وفيه الأيام المعلومات والمعدودات،

قال الله عز وجل: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ
وقال: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ

وفيه يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر وفيه التقرب إلى الله عز وجل بأداء النسك من ذبح الأضاحي بعد الصلاة كما

قال عز وجل: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ

مشروعية الأضحية

شرعت في السنة الثانية من الهجرة كالزكاة وصلاة العيد، وثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة والإجماع.

ومن السّنة الفعلية الثابتة ما رواه أنس قال: (ضحى ﷺ بكبشين أملحين أقرنين فرأيته واضعا قدمه على صفاحها يسمي ويكبر، فذبحهما بيده). وكان ﷺ لا يعزم على الصحابة بالضحية ولو كان يرغبهم فيها ويقول: (ما أنفقت الورِق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد).

وفي شرح النيل للقطب رحمه الله: أنها تجب على من سماها في العشر، وإذا وجبت بأن يكون قد اشتراها أو عينها للضحية فلا يجوز له الرجوع عنها ولا يبدلها إلا بخير منها أو مثلها، (قلت): لا يبدلها إلا إن عطبت أو تلفت قبل أوانها، وكذلك إن ولدت فليذبح معها ولدها، ويجوز أن يبدلها بأفضل منها.

ومن فعلها بعد دخول ذي الحجة كره له نتف شعر أو جلد أو قطع أو حلق أو قص أو إزالة ما، لقوله ﷺ: (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره). وهذا نهي كراهة لا تحريم.

فضلها:

قال عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله عز وجل من هراقة دم وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا.  

استشراف الأضحية:

قال الشيخ حمو رحمه الله في كتابه ترغيب الراهب وترهيب الراغب: ويستحب استحسانها واستسمانها والمغالات في أثمانها والتجنب لنقصانها ولو هشما في أسنانها، ويشترط أن تكون سالمة من العيوب، وأن لا تكون داجنا (معزة حليب) وقد قال ﷺ: (لا ضحية لمن ضحى بداجن)، وكان يقول لمن ذبح داجنا من المعز: (شاتك شاة لحم).

والأفضل في الأضحية: الغنم وفي معناها المعز، ثم البقر ثم الإبل، والفحل أفضل من المخصي وهو أفضل من الأنثى.

المشاركة في الأضحية:

وتكفي الشاة الواحدة عن أهل بيت لما روي أن أبا أيوب الأنصاري قال: كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصار كما ترى.

فأما ما يجزي عن واحد:

  • جذع الضأن (الغنم) (ماله ستة أشهر فما فوق).
  • ثني معز (ما له سنة فما فوق).
  • الإبل والبقر (ما له سنة إلى ثلاث سنوات).

ولا شركة فيما يجزي عن واحد، وإن اشتركوا في الثمن ينويها واحد عن نفسه.

وقت ذبح الأضحية:

ووقت ذبحها بعد الصلاة وبعد ذبح الإمام الذي صلى صلاة العيد إن كانت له ضحية، ومن ذبح قبل ذلك فهي شاة لحم لا ضحية، إلا إن لم تكن للإمام أضحية فليذبح الناس بعد صلاة العيد إلى الغروب، وقيل إلى زوال الرابع كأهل منى.

الرفق بالأضحية:

ومن تمام المسألة قوله ﷺ: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، كما يرفق بها في جرها، ولا يذبحها والأخرى تنظر إليها.

قال القطب رحمه الله في شرح النيل: وندب لمريد ذبح ضحيته مسح ظهرها بيده اليمنى، وذلك المسح تبرك، قائلا:

اللهم إن هذا قرباني وضحيتي فتقبلها مني

من يتولى ذبح الأضحية:

ينبغي للعبد أن يلي ذبح أضحيته بيده ولو امرأة، (إن كان يحسن الذبح فقيها بأحكام الذبح وشروطه) اقتداء بالرسول ﷺ أو يوكل من يذبح له، لا صاحب كبيرة كتارك الصلاة، ولا متبرأ منه، ولا أهل كتاب، لقوله: ﷺ: “ولوها أهل ملتكم ولا تولوها أهل ذمتكم”.

فإن النبي ﷺ قال لفاطمة رضي الله عنها: “قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملته وقولي:

إن صلاjي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين

فقال أحد الصحابة: يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة أو للمسلمين عامّة؟ قال رسول الله  ﷺ بل للمسلمين عامّة.  

ما يقال عند ذبح الأضحية:

يسن أن يقول المضحي:

وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما انا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحاي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وانا من المسلمين بسم الله والله اكبر اللهم منك ولك، اللهم تقبله مني (أو عن فلان ابن فلانة) كما تقبلته من إبراهيم خليلك ومحمد صلى الله عليه وسلم نبييك ورسولك

وينوي بها القربة إلى الله تعالى وفداء له من النار.

ما يفعله المضحي بلحم الأضحية:

يستحب الإفطار في يوم الأضحى بعد الصلاة باللحم والكبد منه أحسن، والسنة أن يأكل من ضحيته ثلثا ويتصدق ثلثا كما قال تعالى: “]”فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر”[” القانع هو الذي يقنع بما أعطي فلا يسأل ولا يتعرض، والمعتر هو الذي يسأل أو يتعرض، ويدّخر ثلثا بلا بأس بأقل أو أكثر عندنا وهو الصحيح.  

هذا وإنما الأعمال بالنيات فلا بد من استحضار نية التقرب إلى الله عز وجل بجميع الأعمال الصالحة وخاصة في مثل هذا اليوم الجليل والعيد الكبير وذلك بالاجتهاد فيما يرضي الله عز وجل فإنه لم تشرع مثل هذه الأعياد لإشباع الغرائز واتباع الشهوات دون القيام بواجب الذكر والشكر لله عز وجل، والرغبة في الدعاء بقبول العمل، وإصلاح الدين والدنيا والآخرة، ثم الاستغفار عن العمد أو التقصير: وفي الحديث: من أعطي خمسا لم يحرم خمسا:

  • من أعطي ذكر الله لم يحرم ذكر الله إياه لقوله تعالى: “فَاذكروني أَذْكُرْكُمْ”.
  • ومن أعطي الشكر لم يحرم المزيد لقوله تعالى: “لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ”.
  • ومن أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة لقوله تعالى: “ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم”.
  • ومن أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة لقوله تعالى: “اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمُ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً”.
  • ومن أعطي الإنفاق لم يحرم الخلف لقوله تعالى: “وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَيءٍ فَهُوَ يُخْلفُهُ”.

ورد الاستغفار 360 مرة في مثل هذا اليوم بقوله: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه من جميع ذنوبي.

نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا وأن ينسأ في آجالنا وأن يرزقنا البركة في العمر والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى