وقف “تنوبة” والتعدي عليها

قال الله عز وجل:
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى
وقال عز من قائل:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
تشرف حلقةُ عزابةِ المسجد الكبير كما هو الشأن في جميع قصور ميزاب أنَّ المساجد الأم هي التي تشرف على أوقاف (تنوباوين) المتعلقةِ بالعقارات (من الخبز أو الطعام أو التمر أو غير ذلك) والتي تُؤَدَّى في مواسمها في المقابر أو المسجد في الليالي المفضلة أو المناسبات الدينية كما هو معهودٌ منذُ نشأتها تبعاً لنية المحبسين لها.
فَلا يحق لأحد غيرهِم أن يتصرَّفَ في تنفيذها أو أن يتدخل فيها بالتبديل أو التغيير أو الإفتاءِ، حَيث لا يجوز تبديلُ الوقف عن نيةِ الـمُوَقِّف، وفي ذلك إثم عظيم قال الله عز وجل:
فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
هذا عن تبديله لا يجوز؛ فكيف بمن يجحده أو ينكره ويتجاسر على نقضه لاسيما ما أفتى العلماء بجوازه وصحته فالكف عن نقضه والجسارة عليه أسلم وأحوط بل واجب، وفي فتاوى مشائخنا من الأدلة المعتمدة لدى علماء المشارقة والمغاربة ما يشفي الغليل ويروي الظمآن لمن أراد أن يستقصي البحث في هذا الشأن، وعلى سبيل المثال:
مسألة مختصرة عن القطب رحمه الله في كتاب كشف الكرب:
الجواب: … من كاتبه امحمد المغربي اطفيش قائلا: ابق الوصية على حالها فإنها أمانة في أيدي الورثة والوصي، وخف العتاب الوارد في قوله تعالى: “إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمُ أَن تُـ.وَدُّواْ الاَمَانَاتِ إِلَىآ أَهْلِهَا”، واعلم أنك إن أفتيت لحاكم البلد بجواز بيع الغلة أو أصلها لمصالحه فكلاكما مأزور ولا مأجور، وفي فجور وطرف مهجور، وقد قدم الله الوصية على الدَّيْن فإنها في الجملة من الثلث وأنه من الكل لما علم من الناس من تهاونهم بها، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالمحافظة على حق من لا ناصر له إلا الله كهذه الوصية وموصيها والموصى له بها، فلا تبع أصلها وتفرقها للفقراء، وإن حدث أمر قاطع أو كاد فأخبرني أذكر لك مسلكا ينجيك. اهـ.
فتوى للشيخ الحاج صالح لعلي رحمه الله:
ومما ورد عن الشيخ الحاج صالح لعلي رحمه الله جوابا عمن عليه وقفُ ستة أمدادٍ طعاما في المسجد ليلةَ السابع والعشرين من رمضان، ووقفُ ثلاثة أمداد طعاما في مقبرة حمو بن يوسف، فبدَّلَ الوَقْفَيْنِ غلطاً سنينَ فكانَ يجعل في وقف رمضان ثلاثة أمداد وفي وقف المقبرة ستة أمداد.
قال فأجبت مستعينا بالله سبحانه: إنَّ عليه غَرِمَ ما بَقِيَ عليه من وقف رمضان في كل سنة وهو ثلاثة أمداد، ولا يجزيه ما زاد في وقف المقبرة، لتخالف الوقفين من وجوه أربعة وهي: الزمان، والمكان، والموصى لهم، وكيفية إنفاذها عليهم، فالاكتفاء بتلك الزيادة تبديلٌ للوصية من جميع هذه الوجوه وهو لا يجوز ولو بواحد فضلا عن الجميع … الخ.
لهذا؛ فإنَّ هذه الأوقافَ أماناتٌ يجب أداؤها على من تعلقت بذمَّته لأَربابها بمقاديرها المحددة وفي مكانها وزمانها الذي تعيِّنُهُ حلقة العزابة للمسجد الكبير، والمتعدي فيها كمانعها، ويُخشى عليه دعوةَ السوء وموتَةَ السوء والعياذ بالله، وكم من الناس تجرأوا على نقضها وتبديلها وقد أصيبوا في أموالهم وأنفسهم وأولادهم من حيث لا يدرون، والحساب عند الله عسير، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، ومن نَظَرَ بِعَيْنِ البصيرةِ أدرَكَ ذلكَ واعتبر، ومن لم يعتبر صار عبرة.
ومن التعدي فيها أداؤها في غير زمانها ومكانها كما هو الشأن فيمن يأخذها لمسجد آخر عشية الخميس أو في وقت آخر، أو يأكلها في منزله مع أهله، أو في مكان يختاره بعد أن يقرأ القرآن، أو يصرف ثمنها لوجه آخر وغير ذلك تبعا لفتاوى باطلةٍ وحججٍ لا أساسٍ لها، حيثُ يتحمُّل إثْمَ التعدي كلُّ من أفتى بأدائها في غير محلها والعامل بفتواه ومن أكلها من غير شرطها.
كما أنه لزاما على كل من يأكل تلك الأوقاف والصدقات أن يلتزم بشروطها بأن يحضر في اليوم المحدد والمكان المعلوم ليجتمع مع المسلمين في مجلس التلاوة بعد أن يكون من الطلبة الذين انضموا إلى سلك آرجال في المسجد الكبير وأدوا ما عليهم عشية الخميس في المسجد الكبير كما عليه السير منذ قرون – ولم يتجرأ أحد ممن سبق على اختراقها- ويأتي بباقي الشروط التي ينبه عليها في حينها، وإلا صار كآكل السحت كما يقال: (من أكله من غير شرطه مشى غوارا وأكل حراما ورجع سراقا) والعياذ بالله.
تنبيه:
كل من له إشكال حول الأوقاف التابعة للمسجد الكبير أو يريد قضاء ما فاته منها فليتصل بوكلاء المسجد الكبير أو يقصد إلى مكتب المسجد في السوق ليرشد إلى ما يطمئن إليه قلبه ويبرئ ذمته منها.
هذا وإن حلقة العزابة وهيئة تمسيردين والْخَيِّرِينَ منَ الأحيَاء والأموَاتِ ليدْعُونَ بالتوفيق من الله عز وجل وبكل خير وبالصحة في الأبدان وبالبركة في الأموال والأولاد لكل من يحافظ على سير السلف الصالح رحمهم الله ويتبع سبيل المؤمنين، جعلنا الله خير خلف لخير سلف لا مبدلين ولا مغيرين والحمد لله رب العالمين.






