مقالات وإسهامات

الإسراء والمعراج ودلالتهما

وقفة في حادثة الإسراء والمعراج

بعد عشر سنوات من الدعوة، ابتدأتْ بتلقي الوحي في حراء، ومضت تشق طريقها في قلب الفتيان من قريش، وفي عالم الجن على يد وفد جن نصيبين، وتتجاوب أصداؤها في قبائل العرب كلها من خلال لقاءات رسول الله ﷺ مع وفود العرب في أسواقهم ومواسمهم، وتصل ينابيعها إلى جذور النجاشي في الحبشة فتثمر إسلامه وحمايته.

وفي الصورة المقابلة حيث كانت قريش تحارب الدعوة وتكيد لها بكل ما أوتيت من قوة، ولا تدع فرصة للانقضاض على الدعوة ورجالاتها إلا واهتبلتها إيذاء وتشريدا، وقتلا وملاحقة، وتبدو الساحة للوهلة الأولى أنها ملك قريش، وأنها المنتصرة في هذه الجولة، فقد سدت الطريق في مكة، وفي ثقيف، وفي قبائل العرب، وأحكمت الحصار من كل جانب ضد الدعوة، ورجالاتها، وأصبح محمد ﷺ على وشك القضاء عليه، بعد هلاك عمه أبي طالب أكبر حماته.

آن الأوان لأن يقر الله تعالى عين نبيه، فيعرج به من دون الخلائق جميعا إليه، ويكرمه على صبره وجهاده لما أصبح رسول الله ﷺ، أخبرهم بما أراه الله من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم، واستجراؤهم عليه.

وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلَّاه الله له حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته وهو ينظر إِليه.

وأخبرهم عن عِيْرِهم -أي قافلتهم- في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن البعير الذي يقدُمُها، وكان الأمرُ كما قال، فلم يزدهم ذلك إِلَّا نفورًا، وأبى الظالمون إِلَّا كفورًا.

علما: إن خبر الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو البيت المقدس قد نطق به التنزيل فلا يجوز الشك فيه بعد الحجة بصحته على من قامت عليه الحجة بمعرفته.

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

وأما خبر وقوع معراج النبي ﷺ برؤية عقله في اليقظة فممكن والأصح وقوعه لقوله تعالى:

أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآه نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى

قال القطب رحمه الله: وما ذكرناه من كونه بالروح والجسد يقظة مذهب الجمهور وصححه الناس، وبه كنت أقول وأحتج بغالب ما مر قبل أن أطلع على أنه مقول للجمهور ولا لغيرهم، وقبل أن أطلع على تلك الحجج والحمد لله على ما ألهمنا وعلمنا.

دروس وعبر

  • لقد كانت حادثة الإِسراء والمعراج تسلية للنبيّ ﷺ مّما أصابه من فقد زوجه خديجة – رضي الله عنها -، وموت عمّه أبي طالب، وأذى المشركين له، وإِكرام من الله له ليريه من آياته الكبرى.
  • وقد كانت فتنة لبعض الناس، وعظُم تكذيب قريش له، ولم يتصوروا قدرة الله وإِنما نظروا للأمر نظرة مادية، فقد كانوا يضربون أكباد الإِبل إلى بيت المقدس شهرًا، ويعودون منها شهرًا، والنبيّ ﷺ يذهب إِليها ويعود منها من ليلته!!. والذين كذبوا رسول الله ﷺ في قصة الإِسراء واستبعدوا وقوعه غفلوا عن شيء مهم في الآية، فالله سبحانه وتعالى يقول: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ” فالله هو الذي أسرى بعبده، ولم ينسب الرسول ﷺ الإسراء إِلى نفسه، فالذي يكذب بالإسراء إِنما يطعن في قدرة الله سبحانه وتعالى.
  • قالت عائشة – رضي الله عنها -: (لمّا أُسْري بالنبيّ ﷺ إلى المسجد الاقصى، أصبح يتحدّث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممّن آمن، وسعوا إِلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنّه أُسْريَ به الليلة إِلى بيت المقدس! قال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا: وتصدِّقه! قال: نعم، إِني لأصدِّقه بما هو أبعد من ذلك، أصدِّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سُمِّي الصدِّيق).
  • لقد كان إِخبار النبيّ ﷺ لقريشٍ عن حادثة الإِسراء والمعراج شيئًا يعجز الإِنسان عن وصفه، فقد أبان النبيّ ﷺ عن شجاعة نادرة، وقوة في الحقّ لا يخشى فيه أحدًا من الخلق.
  • لقد وقف ﷺ بالحجر يخبرهم عن قصته بكل ثبات، وبكل ثقة، لا يبالي من صدّقه أو كذّبه، فهو يخبر بقضيّة عاشها بكل ذرّات جسده، عاشها بكل لحظاتها، فانطلق يصفها بكل تفاصيلها، وقد أكرمه الله برفع الحجب بينه وبين بيت القدس وجلاّه له ينظر إِليه ويصفه لهم.
  • في اختصاص الصلاة بتشريعها في المعراج بيان لمكانتها، فهي عمود الإِسلام، وقد جعلت قرة عين رسول الله ﷺ فيها وما لها من الأثر في سلوك المسلم، فإِنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
  • إِن الربط بين المسجدين -المسجد الحرام والمسجد الأقصى- له دلالة عظيمة، فهما أقدم المساجد التي وضعت للناس، وبانيهما على التوحيد والإِخلاص لله هو أبو الأنبياء إِبراهيم الخليل، ومحمد النبي الخاتم وأمته هم الوارثون لها والمسؤولون عنها وعن حراستها والعناية بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى