بحث حول قضايا الشباب مع الزواج
بحث حول قضايا الشباب مع الزواج للشيخ بلحاج قشار رحمه الله

رسالة من الشيخ بلحاج قشار رحمه الله لبعض الطلبة عرض فيها مشاكل يتعرض لها بعض الطلبة، وهو يرغب في مواصلة تعلمه وهو محروم من الزواج، رغم ما يتعرض له من فتنة وعوامل اقتصادية واجتماعية وعائلية، يطلب فيها حلا لمثله فهل يكون غشيان دور البغاء حلا؟.
راجيا أن تكون مفيدة لهم في هذا السن وهذا نصها مع تحوير خفيف.
الحمد لله الذي جعل لنا الإسلام دينا فقال:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا
[المائدة 03]
نحمده إذ جعلنا مسلمين وبتعاليمه راضين وآثارها حامدين والصلاة والسلام على من أرسله الله لإنقاذ البشر من حياة الجهل والضلال وظلمات الغي والفساد سيدنا محمد خير من هدى وأرشد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد: فقد وردت إلي رسالة من بعض الطلبة يطلب فيها حلا للشاب المحروم من الزواج لعوامل اقتصادية واجتماعية أو عائلية فهل تكون بيوت البغاء حلا اجتماعيا لمثله؟
حينئذ رأيت أن أضع بحثا ولو متواضعا فيما يتعرض له الشباب خاصة المثقفين من اختلاط وفتنة لعل ذلك يذكرهم بما هو أحق بهم وأسلم من عفاف واستقامة تهيئهم للعمل الجاد المثمر بالإسهام فيما يرقي أمتهم ويجعلها نقية صالحة فهم دماؤها الحية.
ويشتمل البحث بحول الله على النقط التالية:
- مقدمة
- ما يتعرض له الشاب في مراحل تكوينه
- الحل الإسلامي الناجع
- هل يتعرض كل شاب لما ذكر السائل
- الزنا مقوض لبناء المجتمع
- مآسي المجتمع المختلط
مقدمة:
إن موضوع البحث شيق وشائك في آن واحد وجدت نفسي فيه أمام مسؤولية تفرض علي أن أقوم بواجبي للمجتمع عامة وللطلبة خاصة وإن كنت لست من فرسان الميدان من حيث الإقناع وإزالة ما في عقول الشباب المتحضر الذين تسممت عقولهم وأفكارهم بوسائل الإغراء التي تجعل الحق باطلا أو ما يقرب منه أو مستحيلا أو كالمستحيل وتصور الحق باطلا لا محيد عنه.
فنحن اليوم في جاهلية تشبه جاهلية زمن النبوءة أو أشد، فعبادة المادة والهوى وتمكنهما من النفس أشد من عبادة الأصنام، إذ عبادة الأصنام يسهل إقناع صاحب العقل السليم ببطلانها بتأمل بسيط، أما جاهليتنا فعن علم يري قواعدها وعن تحليل شيطاني يصورها حقا لا محيد عنه وضرورة لا مفر منها.
وقد انحرف المجتمع الإسلامي في بعضه عن أصل الخط فاتجه اتجاها خاطئا بما سمع من أصوات الدعاية المغرضة لإفساد مبادئ الإسلام وعقائده، كما أن أصوات المصلحين من المسلمين قد علت تفتح أعين الغافلين، لكن الجهل بالمصير جعلها عديمة الجدوى، أما الآن وقد ارتطم الناس بصخرة الواقع في سكة غير نافذة أو في بحر بعدوا فيه عن ساحل النجاة والسلامة صاروا يلتمسون الخلاص ولكن هيهات وقد جرفهم سيل المدنية الخلاب. فأنا أضع بحثا لمن لا زال حائرا في أول الطريق ولا زالوا على ساحل النجاة حتى يتبينوا الطريق الواضح المستقيم ويتجنبوا المزالق ولعل بحثي يكون حافزا لأرباب الأقلام وفرسان البيان ليفيدونا بما لم تصل إليه مقدرتي المحدودة إذ لم أنل من الأدب العالي ما أستطيع به الإفصاح والإقناع وبالله التوفيق.
ما يتعرض له الشاب في مراحل تكوينه:
يتعرض الشاب في مراحل تكوينه في المجتمعات المختلطة المقلدة البعيدة عن روح الإسلام وآدابه أول ما يفتح عينيه على المجتمع في المدرسة المختلطة التي تفرض نفسها عليه من صغر سنه وفي كامل مراحل تكوينه وهو يلتقي بالجنس الآخر إما جالسة بجنبه في مقاعد الدراسة أو يلتقي بها في الملعب مع زملائهم من التلاميذ ويبادلها وتبادله النظرات ثم اللمحات ثم الاستفزازات منه أو منها إذا لم تكن هناك مراقبة تامة فتبدأ المعركة الداخلية تعمل عملها باستمرار ثم تنمو تلم العاطفة إلى أن تستقر على من تقع أو يقع في شبكتها أو شبكته إلى أن يحين الفراق المحتوم إما للفارق الذكائي أو للانتقال إلى تعليم أعلى أو غيره وفي قلب كل من الفتى والفتاة استعداد لمواصلة حياة الاختلاط بما فيه من مآسي لا مفر منها وهو يلتقي مع الفتنة في تعلمه وتعليمه ومصنعه ومتجره بل حتى في حياته الخاصة فاللطف والعصمة من عند الله.
هذا وإذا أمعنا النظر بإنصاف في الحياة الداخلية التي يلتقي فيها الشباب المواصل لتعلمه ما لا نستطيع نكرانه من مآسي اجتماعية لا تليق بنا كمسلمين فالحل إذن غير ذلك.
الحل الإسلامي الناجع:
فالحل إذن تعاليم الإسلام وأن نلتزم تطبيقها فلنعمل على نشرها واستقرارها في أذهان الشباب إذ هو الحل الذي اختاره الله وهو أعلم بما يصلح بنا قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) نعمل لنفهم المسؤولين على اختلاف درجاتهم وحسب ما تقتضيه الحكمة لتغيير أصل الطريق.
نعمل ليبقى مجتمعنا على الأقل إن لم نستطع غيره سالما نظيفا سالما من تلك الأمراض التي فتكت بالمجتمعات الإسلامية فتكت بالأسر تلك الأمراض التي بدأت تغزو مجتمعنا الريفي النظيف وتتغلغل في كيانه.
نعمل لحصانة بناتنا لتتهيأ لمعيشة إسلامية حقة تبقى بها جوهرة مصونة.
نعمل لنسمع الآباء أن المرأة للبيت إذ هي الحياة الطبيعية لها قال تعالى يخاطب نساء النبيء وهن المثال لكل مسلمة: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُولَىا)[الاحزاب 33].
فلم نوجه بناتنا لوجهة غير صالحة لم نوجههن إلى حياة اختلاط لا يحصدن منه إلا السقوط والفساد؟.
لم نوجههن إلى طريق مسدود ملت منه أوروبا بعد أن عانت من ويلاته فأصبح رجالها ونساؤها تستغيث؟.
بربكم ماذا تجني الأمة من زج بناتنا فيما يجعلهن عرضة لفساد الأخلاق وضياع العفاف.
فلنا مجتمع نظيف يسوده الهدوء في غير العواصم، يسوده الاستقرار ساده العفاف في المرأة، مجتمع رست قواعده بتماسك الأسرة عندما استقرت المرأة في البيت وعملت جاهدة لإسعاد زوجها وتربية أولادها قانعة بما حدده الله لها فلم تتطلع لما ليس من شأنها، لم تتطلع لحرية موهومة تصل بها إلى أن تكون لعبة في أيدي الرجال ينالون منها ولا تنال منهم إلا ما يكدر صفو معيشتها، ينالون شهوتهم عللا حساب سلب عفافها وسقوطها وخسارة مستقبلها.
لقد استبدلنا ما هو أدنى بما هو خير، استبدلنا ما سئمت به الأمم وعافته عقلاؤهم من رجال ونساء كانوا مغرورين ببريق المدنية الخلاب الخادع والحرية المزيفة.
فنادت عقلاؤهم ونساؤهم بالرجوع إلى البيت نادت النساء وهن منه محرومات، نادين بالعفاف وهن آيسات، نادين بحياة استقرار بعد إن ذقن مرارة التشرد والعذاب.
قال عبد الباقي رمضون في كتابه (خطر التبرج والاختلاط) صفحة 144: قامت تظاهرات نسائية في عاصمة الدنمارك كبنهاقن سنة 1970 وتناقلته وسائل الإعلام ووكالات الأنباء ونشر في كثير من الصحف صورا من ذلك عدد عظيم من طالبات جامعات والفتيات والصبيات وكن يرددن ويحملن لافتات بالهتافات التالية: نرفض أن نكون أشياء، نرفض أن نكون سلعا لتجارة الإباحية، سعادتنا لا تكون إلا في المطبخ، نريد أن تبقى المرأة في البيت، أعيدوا إلينا أنوثتنا، إننا نرفض الإباحية.
وقال كينيدي في خطاب له في تصريح خطير سنة 1962: إن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها مائع غارق في الشهوات لا يقدر المسؤولية الملقاة عليه وإن من بين سبعة شبان ستة غير صالحين إذ الشهوات أفسدت لياقتهم الطبية والجسمية والنفسية.
وتقول مارلين منروغ -وهي أشهر ممثلة إغراء- في رسالتها عند انتحارها: إنني أتعس امرأة على هذه الأرض، لم أستطع أن أكون أما، إني امرأة أفضّل البيت والحياة العائلية الشريفة الطاهرة، إن العمل في السينما يجعل المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من شهرة.
وقالت الممثلة باربارة ستيوياند في آخر مقالة صحفية لها: قد بدأت أتأكد أن أشياء كثيرة تنقصني وقد نسيت حياتي كامرأة وكإنسانة مما جعلني اليوم أحسد النساء التي عندهن الوقت الكافي للاعتناء بأزواجهن وأطفالهن، والحقيقة أن النجاح والشهرة لا معنى لهما في غياب الحياة العائلية العادية حيث تشعر المرأة أنها امرأة.
هذا قليل من كثير مما قرره من سار في الطريق الذي شرعنا في نهجه ونحن عن نتائجه غافلون أو متغافلون فلنتبصر.
هل يتعرض كل شاب لما ذكر السائل:
خلاصة ما ذكر السائل أن الشباب نوعان:
1. من قيض الله له والدا غنيا يعنى ويتكفل بمصاريفه إلى أن ينال بغيته من العلم ويتحمل تكاليف زواجه إذا بلغ السن فالحل هنا ميسور وهو الزواج ولو تعرض للفتنة.
2. من كان اعتماده على نفسه من أول يوم أو بعد حين لفقد والده أو فقره أو لمشاكل عائلية أخرى يحتاج إلى مدة يواصل فيها تعلمه ثم مدة للخدمة الوطنية ثم بعد ذلك يسعى لطلب ما يضمن به مستقبله وزواجه مع تعرضه لما ذكر من الفتن فهذا هو الذي يحتاج للحل فهناك من يرى أن الحل هو غشيان دور البغاء حيث إن تلك النساء تخف معهن أضرار الزنا فلا غصب ولا خيانة ولا قهر ولا تغرير.
كما أنه لا يتعرض من يغشاهن لمرض حيث إنه يجرى لهن الفحص الطبي. فكأن الزنا إذا لم يتعرض لذلك يصبح مباحا أو كالمباح.
فالجواب عن هذا فيما يلي:
إن الله تعالى حرم الفواحش ما ظهر منها وهو البغاء العلني وما بطن وهو البغاء السري فقال: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)[الأنعام 151] وقال: (وَلاَ تَقْرَبـُوا الزِّنـَىآ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً)[الإسراء 32].
1. ناحية الشاب الذي يريد أن يواصل تعلمه وهو يتعرض لهذه الفتنة إن اعتبرنا ذلك ضروريا، هل يسوغ لهذا الشاب أن يغشى دور البغاء كحل له؟
2. أما من ناحية الشاب الذي لم تتهيأ له الظروف أن يتزوج ليواصل تعلمه فإن الذي يلزم تعلمه ضرورة لا محيص عنها هو علم ما لا يسع الناس جهله من توحيد وشريعة يستطيع بها عبادة الله وضمان السعادة الأبدية فهذا ميسور في مدة يستطيع بعدها أن يكتسب ما يحصن به نفسه عن الحرام وهو الزواج كما يضمن مستقبله.
أما ما غير ذلك من العلوم فهو فرض كفاية إذا نظرنا إليه بنظرة عامة نكتفي فيه بمن تهيأت له إذ العلم وسيلة لا غاية فللشاب أن يختار من طرق الكسب ما يستغني به عن التعرض للفتنة التي ذكرت فيحصل في أجل قريب عندما يصل سن الزواج أو بعده بقليل ما يصون به نفسه عن الحرام.
فإن طرق الكسب كثيرة ميسورة لمن كان جاهلا أو عالما أو متوسطا إذ الدنيا يجب أن تعمر بكل الأصناف من عالم وطبيب ومهند وفلاح وتاجر وعامل وتلك سنة الله في الكون كل ميسر لما خلق له.
فمن توفرت له الظروف أن يتعلم من غير أن يعرض نفسه وسعادته للضياع فنعما يفعل ومن لم تتهيأ له فليقارن بين ما يأخذ وما يذر فذلك شأن العقلاء.
وأما عن دور البغاء فهل هي حل؟ فلم تكن ولن تكون حلا يوما ما ولو علم الله أن تكون حلا ما حرم ما فيها وذلك لجوانب متعددة:
فقد قال الله تعالى: (الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً اَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ اَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَالِكَ عَلَى الْمُومِنِينَ)[النور 03] وقال: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)[النور 26] فمن كانت له همة يحترم نفسه الأبية لا يفكر في تلك المزابل ولا أن يغشاها لما يتعرض له من قذارة حسية ومعنوية ولما يكون فيها من موائد قمار وخمور ومخدرات فضلا عما لا تخلو منه من أمراض بدنية وخلقية إما قبل الفحص أو بعده لأن الرقابة الحقيقية لا يمكن تطبيقها إذ الأمراض تمر على مراحل وأدوار ولا تظهر إلا في الأخير منها وبعد تمكنها فهل نستطيع أن نضمن سلامتهن؟ وهل نستطيع أن نضمن حقيقة الفحص مع من يستطيع أن يشتري غفلة الطبيب بمتاعها أو مالها.
وقد شاهدنا آخر حياة من اعتاد غشيان دور البغاء حياة شقية ونغص وفقر، بشر الزاني بالفقر ولو بعد قليل حديث شريف، وفي حرمان وضعف بدني عام، ومنهم من تدركه الوفاة على ذلك وقليل من يدركه لطف الله فيتوب.
ومنهم من تبقى فيه تلك العادة وتتمكن فلا يهنأ له بال إلا إذا كان بين أحضان العاهرات وربما أدركته المنية وهو على اتصال بهن فإن الجعل لا يستلذ إلا النتونات وتؤذيه الروائح الطيبة.
ومن يضمن للشباب إذا اعتاد ارتياد تلك المواخير أن يتخلص من دواهي تلك العاهرات وهن ما هن في استغلال أموال الغافلين بل لا يتورعن عن استعمال الحيل ليبقى على اتصال بهن باستمرار في تبذير أمواله إما بما يتصنعن له من إغراء وتزيين ورطوبة كلام أو استعمال ما يسمى بالسحر حتى يبقى باله عالقا بهن وغالبا من يستلذ الحرام لا يتذوق الحلال فتبقى علاقته بالمواخر مستمرة ولو بعد الزواج.
أما من ناحية تلك البائسات فلم تصل إحداهن لمزاولة البغاء إلا وقد مرت على يد من أسقطها أولا أو اعتدى على عفافها أو غرها بوعوده وكلامه المعسول بالزواج فكم من فتاة سقطت بين أحضان شاب عقدت معه الخطوبة ولما مرت أيام التجربة التقليدية والمخالطة ولا بد أن تفضي إلى الكارثة إذ الطبيعة لا تتغير فلما مكنت نفسها وباعت أو منحت أغلى ما عندها بناء على وعوده الكاذبة تركها تحصد ما زرعت وزرع فقد هتك عرضها وسلب عفافها وفض المحرم من بكارتها فما بعد ذلك إلا السقوط، شاركها اللذة ساعة وتركها للألم العمر كله، شاركها في الجريمة ثم تركها لوحدها لتتحمل آثارها ونتائجها سبب كساد زواجها إذ خدعها بإظهار الإخلاص ليتوصل إلى قضاء غرضه ولما قضاه أظهر الخداع ونبذها نبذ النواة.
تلك النساء بنات وأخوات وربما أمهات لرجال من الأمة فيحسن بالأمة أن تغلق باب الفساد دونهن.
فما لا نرضاه لبناتنا وأمهاتنا وأخواتنا لا نرضاه لبنات وأمهات وأخوات الآخرين.
فأي عاقل مسلم يعتز بإسلامه أن يرضى لمسلمة تكون موضع قضاء وطر كل ساقط ومكان تفريغ شهوة كل مشته، ففي هذا منتهى الذل والمهانة والحقارة.
الزنا مقوض لبناء المجتمع:
دور البغاء بؤرة فساد يجب أن تهدم فإن كانت حلا مؤقتا لمشكلة فهي فتح باب لمشاكل فكم من معتاد ارتيادها هاجر زوجته وأولاده واستبدلهم بعاهرة تستنزف أمواله وتبلي صحته إذ غرته بمعسول كلامها ومختلف حيلها.
ولو لم يكن الزنا من أعظم الكوارث ما أوجب الله عليه عقوبات يجعله مستحيلا أو كالمستحيل لو أن أحكام الله هي التي تنفذ على مرتكب جريمته كما سيأتي قريبا.
وقد يميل الشاب إلى الشهوة الرخيصة الميسورة فيعرض عن الزواج وفيه من المسؤوليات والنفقات ما يرى أنها تكون ثقلا على كاهله.
الزنا مقوض لبناء المجتمع لذلك حرمه الله بل نهى عن قربه وقبح اقترافه واعتبره فاحشة وساء سبيلا.
وخطط للناس طريق الابتعاد عنه بما بنى دونه من أسوار لا يصل إليه إلا من تخطاها غير مبال أين يقع من عقاب الله ولا أين يلقي نفسه من مقت وخسارة في الدنيا والآخرة وإليك بعض ذلك:
لما استقر النبيء صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأمن جانب اليهود بالمعاهدة واطمأن من جانب قريش بصلح الحديبية وقد طهر المدينة بعد الخندق من دنس اليهود التفت إلى الجانب الاجتماعي ليؤسس بيئة صالحة فيها مقومات الدوام وليجعل من المجتمع المسلم بيئة صالحة فيها مقومات الدوام وليجعل من الفرد المسلم كائنا حيا في مستوى الرقي الذي اختاره الله للإنسان ليكون في الأرض خليفة يملك حرية نفسه ولا تتحكم فيه الشهوات، فقرر مبادئ اجتماعية يتعايش الناس بها معيشة أمن واستقرار، فحدد حرية الفرد بحرية الآخر، وأصلح علاقة الرجل بالمرأة حسبما يستجلب ما فيها من نفع ويدفع ما فيها من ضرر، وكل ذلك بوحي من الله إذ نزلت عليه في ذلك آيات تشريع ونظام.
فقد شرع الاستئذان في البيوت حتى يأمن كل فرد في بيته في حرية تامة فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) الخ.
وأمر كلا من الرجل والمرأة بغض النظر وهو يعلم أثرها في النفس فقال: (قُل لِّلْمُومِنِينَ يَغُضُّواْ مِنَ اَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَالِكَ أَزْكَىا لَهُمُ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرُم بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُومِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنَ اَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) الآية[النور 30].
وحدد للمرأة من تعاشره بالمصافحة فقال: (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوَ _ابَآئِهِنَّ) الآية[النور 31] وذلك من لا يخطر له عند معاشرتهن خاطر سوء.
وأوجب الحجاب على المرأة تستر به ما فيها من مفاتن تسلب به لب العاقل فضلا عن السفيه فقال: (يَآ أَيـُّهَا النَّبِيءُ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُومِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِـيـبِهِنَّ ذَالِكَ أَدْنَىآ أَنْ يُّعْرَفْنَ فَلاَ يُوذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)[الاحزاب 59].
ومنع المرأة من الظهور بمظهر التبرج ولو كانت عجوزا فقال: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن).
ومنع اختلاء رجل بامرأة أجنبية عنه لأي غرض من الأغراض إلا لضرورة نتيجة من حريق أو غرق أو مداواة مثلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون أحدكم بامرأة إلا ومعها ذو محرم) وقال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما) وقال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم).
كل هذا من باب الوقاية خير من العلاج، وقاية من ولوج جراثيم الفساد لجسم المجتمع فيبقى صالحا أمينا وهذه أسوار من تخطاها حصد ما زرع وندم بعد فوات الأوان.
هذه الأدبيات والمبادئ تجعل المسلم يقف عند حدود الله ويعتبر ذلك في صالحه فردا أو جماعة.
ومن تعدى فقد شرع الله للمتعدي عقوبات يصبح بها عبرة لغيره إذ هو حينئذ جرثومة فساد يجب قلعها من جسم الأمة لتسلم أجزاؤه، فقرر عقوبة الزنا بالجلد مائة جلدة لغير المحصن، وبالرجم للمحصن من السنة ويقع ذلك في مجمع من الناس خزيا للفاعل ونكالا لغيره.
لكن لما تعدى المسلمون حدود الله فضلا عن غيرهم اختاروا أنظمة وعقوبات مستوردة لا تحد من الجريمة فهاهم اليوم في مجتمع متفكك تفتك به جراثيم الشهوات المسعورة وهم لا يشعرون ولا يحسون إذ ماتت الغيرة وتحكمت العادة واستمرأ الناس الشهوات.
فاعتبر تبرج المرأة تقدما وجعلوا لذلك كل دعاية فأصبح الاختلاط واجبا وعمل المرأة عاديا.
فانهار صرح المجتمع الإسلامي ونادى المصلحون وقد بحت أصواتهم ولا مجيب، فالمسلمون غالبهم على نهج أوروبا سائرون وقد استبدلوا الأدنى بالذي هو خير، ونحن في المجتمع الصحراوي لا زال فينا بقية رجاء لما زرعه الأجداد وسنوه من ضوابط اجتماعية لا زال مفعولها سائد وإن ضعف في بعض النواحي، فلنتعاون على إحياء ما اندرس من ذلك ولنبث الدعاية لبيان مغازيه حتى نداوي ما فسد أو على الأقل نحافظ على ما بقي صالحا.
فلنشخص للناس نتائج المجتمع المختلط ببيان ما فيه من مآسي لا دواء لها.
مآسي المجتمع المختلط:
ذلك ما جاء في كتاب خطر التبرج والاختلاط لعبد الباقي رمضون اخترت فقرة اختصرتها قال: يا أخي ويا أختي تصور كيف أن الرجل في المجتمع المختلط المتبرج يأتي إلى بيته عائدا من عمله وعليه آثار العمل من تعب ونصب وغبار وأوساخ وقلق واضطراب ليجد الراحة والسكينة، فيجد الأثاث مبعثرا والأواني واسخة والطعام نيئا حيث إن الزوجة خرجت للعمل مثله، فيشرع بنفسه في عمل جديد على ترتيب الأثاث وغسل الأواني وإعداد الطعام، أو يخرج ليتناول طعامه وشرابه في مطعم خارج البيت حيث يجد الزحام ويلتقي بمن تشمئز منه النفس من جفاة وعمال وسفهاء شوارع ممن لم يألفهم ويألفوه، وربما تعرض لفاحش الكلام بحكم الزحام عوض أن يجد طعامه قد تهيأ من زوجة صالحة مصونة في بيته قائمة بشؤونه وتربية أولاده.
هذه صورة من صور الشقاء والحرمان في ذلك المجتمع المريض وليست المرأة بأسعد حظا منه بل هي أتعس وأشقى وأذل.
فإذا جاءت من عملها فإما طعام لا نضج فيه للسرعة وإما اختلاط يرغمها أن تتحمل معاكسات السفهاء والأدنياء مما ينغص عليها طعامها وشرابها فتعسا لهذه الحياة.
زد على ذلك ما يلازم هذه المعيشة -وإن ألفها الناس- من شكوك وظنون لا مفر منها والشيطان بالمرصاد من كل من الزوجين ليفرق فأي ثقة بينهما وهم يرون ما يتعرض لكل منهما في عملها من معاكسات وإغراء مما يبعث على خيانة أو عذاب.
فمن استجاب منهما لإغراء وخان صاحبه لجأ إلى أخلاق دنيئة يغطي بها خيانته من كذب أو خداع ونفاق ورياء.
وقد يلجأ المجتمع المختلط إلى قرارات هو في غنى عنها ولم يكن ليفكر فيها لولا إطلاق العنان لمختلف الشهوات والنزوات وما ينشأ عنها حتما من اغتصاب وحوامل تنوء بثقلها قبل الأوان وهي بعد طالبة تتردد على المدرسة وربما جاءها الطلاق وهي في قاعة الدراسة فما الحيلة وقد كثرت؟.
جاء في الكتاب المذكور: صدرت تعليمات إلى جميع مدارس نيويورك بإنشاء غرفة للتوليد وأن يدرب اثنين من الموظفين فيها على ذلك فقد بلغ عدد الحوامل في مدارس نيويورك وحدها 2487 سنة 1969 كما دلت الإحصائيات أن البكارة مفقودة فإلى هذا الطريق كثير منا سائرون إن لم نجدد النظر في البنت ومنع اختلاطها وفي طريقة تعليمها وقد بلغت الطالبات الحوامل في فرنسا 48 في المائة.
وفي الكتاب المذكور أعلن أحد رؤساء أمريكا أنه لم يصلح للخدمة الوطنية إلا مليون شاب من بين ستة ملايين بسبب أمراض الزهري وغيره من الأمراض الجنسية.
هذا ما تيسر ذكره وهو قليل من كثير تمتلئ به كتب الإحصائيات في هذا الميدان نسأل الله أن يحفظ مجتمعنا ويلهمنا رشدنا لنتبصر العواقب.
أما ما جاء في الرسالة من العوائق عن الزواج من غلاء المهور وتقاليد الزواج الضارة مما يخص الإصلاح الاجتماعي وليس بصعب على ذوي الهمم من الطلبة فللدعاية مفعولها وبيدهم زمامها ووسائلها.
أسأل الله أن يجعل العمل خالصا لوجهه وأن يفيد به وبالله التوفيق.
بلحاج بن عدون قشار بنورة يوم: 26 مارس 1983م
كتابة الفقه والدليل الحلقة الحلقة الرابعة






