مشايخ وأعلام

العلاّمة الشيخ حمو بن باحمد باباوموسى رحمه الله

العلامة الشيخ حمو بن باحمد  باباوموسى رحمه الله (1280هـ/1863م - 1376هـ/1957م)

نسبه ومولده:

هو الحاج امحمد بن باحمد بن صالح بن احمد بابا وموسى المعروف بالشيخ حمو، الداوي مولدا ومسكنا، ولد حوالي 1280 هـ الموافق لـ 1863م. كان أخا لثلاث شقائق وستة إخوة من أبيه وهوأصغر من شقيقتة الكبرى -منة- نشأ في عائلة شريفة ثرية حريصة على العلم والدين، كان والده باحمد بن صالح تاجرا في ساحة سوق غرداية، ومع ذلك فهو من أهل العلم والمعرفة حيث كان يدرس الفقه في منزله للنساء يطالع له الشيخ حمو، ولما تفوق الشيخ حمو أسند إليه التدريس، كما كانت والدته قشوش عائشة بنت باحمد فقيهة عالمة تتولى الفتوى في مسائل النساء، وكان الشيخ حمو يغبطها في ذكائها وحافظتها.

تعلمه:

التحق في صباه بالمحضرة القرآنية فحفظ القرآن الكريم قبل سن الحلم، ثم أخذ مبادئ اللغة والنحو عن الشيخ الحاج عمر بن يحي القراري، وكان يدرس في حلقة أبيه في منزله يطالع له دروس الفقه والوعظ والرقائق كما مر، كما كان يحضر حلقات الشيخ الحاج بابكر بن مسعود شيخ المسجد الكبير بغرداية.

ولما نبغ عن أقرانه وظهرت لديه بوادر الذكاء والفطنة، سبله والده للتعلم وخدمة الدين فالتحق بساحل بحر العلوم حيث معهد قطب الأيمة الحاج محمد بن يوسف اطفيش رحمه الله في بني يسجن، فخصص له أبوه مركوبا فاخرا، يذهب به إلى حلقة العلم، وعندما يعود ينزل عن دابته فيتولى غيره القيام بها من علف وغيره، كان متفرغا للعلم حريصا عليه حتى صار من أبرز وأخص تلامذة القطب رحمه الله.

رافق معه يوما أخاه الحاج محمد وهو صبي إلى القطب فمسح عن رأسه ودعا له بالبركة وقال له هو خليفتك في المشيخة، فكان الأمر كذلك.

ومن رفقاؤه في حلقة القطب رحمه الله هؤلاء الطلبة من غرداية: محمد كوله وبهون فخار وجمة انبالة. وغيرهم.

واظب على التعلم إلى آخر أيام حياة القطب رحمه الله ينهل من أنهار الحكمة والمعرفة حتى حاز السبق في الميدان.

مشيخته:

رشَّحَتْهُ عزابة مسجد غرداية  ليكون شيخا خلفا للشيخ الحاج بابكر فأبى وامتنع خوفا من الوظيف والمسؤولية لصغر سنه أمام أعضاء الحلقة الكبار وهو ابن خمس وثلاثين سنة، إلا أن القطب رحمه الله أشار عليه أن يقبل المشيخة حيث كان أهلا لها فتقلد الوظيف عن كره وهو يبكي، وقد كان القطب رحمه الله يوصي أهل غرداية باتباعه والفتوى عنده وقد كتب القطب رحمه الله رسالة للقايد مصباح يهنئه فيه وقال له عليك باتباع العزابة والشيخ([1]) وبعد وفاة القطب رحمه الله تصدى للفتوى وأطلق عليه اسم مفتي وادي ميزاب وكان جديرا بذلك بشهادة وإجازة شيخه، وقد أمد الله في عمره وأنعم عليه بالصحة فمكث في منصب المشيخة ما يربو على نصف قرن -نيف وخمسون عاما- مجاهدا مكافحا لأجل إعلاء كلمة الله وإحياء دينه يوم موت القلوب وانتشار البدع واتباع الأهواء.

ورعه وزهده:

كان رحمه الله ورعا تقيا نقيا زاهدا ذا غيرة على الدين متمسكا بأصوله لم تزعزعه الأغراض ولم تستهوه الدنيا وحطامها، وكان يقوم بالوعظ والإرشاد بأسلوب ترق له القلوب وتخشع له الأركان وتذرف له العيون بالدموع

يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يخاف في ذلك لومة لائم، وكان الناس يفدون إليه أفواجا في الأعياد والمناسبات فيعطي لكل فوج مقالة مناسبة لحاله إن كانوا شبابا أو شيوخا أو تجارا مما يفيدهم وينصحهم به. ومما ينبئ عن غيرته على الدين ماذكر عنه أنه أتاه زائر من المخالفين يوم عاشوراء ليسلم عليه فيعطيه الشيخ ما تيسر من تمر أوغيره من الصدقة فلما ناداه خرج له الشيخ وجاءه الطلبة فانتظروا لذلك الزائر ليقضي له حاجته فيدخلون إلى الدرس فلما نظر الشيخ إلى ذلك الزائر وجده محلقا لحيته فغضب عليه وغلظ عليه في النهي وأطال في عاتبه على فعلته حتى تدخل أحد الطلبة وهو دجال باحمد فقال للشيخ بارك الله فيك ياشيخ اقض له حاجته أو سرحه أم تنتظر حتى تنبت له؟ فتبسم الشيخ وأعطى له معروفا وقال خذ هداك الله.

تدريسه:

كان رحمه الله يعقد حلقات متواصلة للدروس في المسجد العتيق في الشتاء بعد صلاة العشاء، وبعد صلاة الفجر إلى صلاة الضحى، وفي الصيف بين صلاتي الظهر والعصر، أما في شهر رمضان فبعد صلاة التراويح والعشاء يجلسون في صحن المسجد حلقة للعزابة وإيروان فيقرأ له أحد الطلبة دولته فيفسرها الشيخ، كما يلقي دروسا يومية في مدرسته بمحل سكناه في أيام الأسبوع إلا ليلة الجمعة وليلة السبت  وكل المواسم التي تقام في المسجد الكبير.

يحضر الدرس الرجال والنساء وقد خصص لهن غرفة مجاورة، ولا ينفك عن الدراسة ولو في الصيف كذلك بعد صلاة العصر كل يوم إلا عشية الخميس والجمعة، حيث خصص مدرسة في أجنة غرداية في محل سكناه أيضا، كما كانت مدرسته محلا لاجتماع النساء للختمة في يوم الخميس والإثنين، ربع القرآن لكل حصة حتى الختمة برئاسة جدة المشائخ الحاج موسى “آل نوح” بية بنت حمو وكانت حافظة للقرآن عن ظهر القلب وستي بنت حمو كربوش  وبناته يدرسن بالكتاب كما كانت هي العمدة في الفتوى في مسائل النساء ثم نقلت هذه الختمة إلى دار تمسيريدين في القصر وأما في الغابة فبقيت في مدرسته. وكان يحيي ليالي شهر ربيع الأول المعظم في المسجد الكبير من أول ليلة إلى ليلة المولد بعد صلاة العشاء يفسر فيها معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم من كتاب المعجزات اللامعة للقطب رحمه الله ثم يقرؤون المدائح وذلك في مجلس خاص بالعزابة وإروان، في أيام الأسبوع إلا في ليلة الجمعة فيحيون اللية في محل التدريس لأن المسجد تقام فيه ليلة الجمعة بالأثمان.

تلاميذه:

تتلمذ على يده مجموعة من الطلبة حملوا اللواء بعده، منهم: دادي واعمر الحاج إبراهيم، والحاج داود حواش، الحاج عبد الله بغباغة، باحمد بن عيسى قزريط، بعمور الحاج يوسف، باحمد بن حمو أويابه، الحاج اسماعيل علواني، الحاج يحي مصباح، وطباخ عمر بن بابه، بابكر مسعود، دادي واعمر محمد بن محمد (المهدي) … وغيرهم، وقد برز منهم أخوه الشيخ الحاج محمد بن باحمد حيث انخرط في حلقة العزابة وصار إماما بالمسجد ثم تولى المشيخة بعد نيف وعشرين يوما من وفاة الشيخ حمو رحمه الله ([2]).

تآليفه:

له تآليف عديدة منها:

  • كتاب ترتيب الفرائد: وهو مجموعة من فتاوى للقطب رحمه الله، مما سمعه عنه أو أرسلها له،  فرتبها وجمعها في كتاب سماه ترتيب الفرائد من الفوائد والعوائد.
  • كتاب ترغيب الراهب وترهيب الراغب: في المواعظ والترغيب والترهيب مرتبة على ليالي سيد الشهور رمضان المعظم، وعلى أيام وليالي أخرى لها شأن في الإسلام على ممر الدهور، وهو هذا الذي نحن بصدد إخراجه.
  • كتاب الحجج الدامغة لبدع الفئة الزائغة: وهو مشتمل على مقدمة وعشرة أبواب وخاتمة، كان الإنتهاء من تأليفه يوم 15 رجب سنة 1356هـ.
  • كتاب الرحلة الحجازية المسماة: الرحلة السنية المقتفية للأحكام القرآنية والسنية([3])
  • وله كذلك أجوبة كثيرة ورسائل إخوانية لمشائخ من ميزاب وعمان.
  • وله قصائد في مديح الرسول صلى الله عليه وسلم واحدة منها مبدؤها:        
حمدت الله رباني حمدا به قد اجلاني

نشاطاته اليومية:

يوم السبت والإربعاء يذهب إلى الغابة في رفقة مع أهله وأحبابه للسقي فيجعلونه كحملة تطوعية لخدمة الأجنة وفي سائر الأيام لا تراه إلا مشتغلا في مكتبه بين المطالعة والتأليف أو النسخ أو الرقية الشرعية للمرضى.

وقد يخرج في بعض وقته إلى حانوت الحاج اسعيد في السوق ليعيش أحوال الناس ويطلع على الأحداث. 

كما أن باب مكتبه مفتوح لمن يسأل عن دينه أو حاجته.

أخلاقه وسيرته:

كان رحمه الله حليما لين الجانب متواضعا في هيبة لا ينتهر أحدا إلا إن رأى منه منكرا فيغضب، وكان متحببا لجميع الناس ويفرح للصبيان ويداعبهم ويقدمهم في الأكل ويخدمهم بنفسه في الإطعام حتى يطمئن منهم فيجلس هو مع جماعته.

سخاؤه:

كان مكسنه مأوى وزاوية لذوي الحاجة والمعوزين يأكلون ويشربون وحتى المبيت لبعض الأرامل والبله.

كان يقيم ولائم رسمية في منزله الخاص لأحبابه في بعض المناسبات منها:

الأسبوع: في اليوم السابع من المولد النبوي على صاحبه أزكى الصلاة والسلام يجعل غداء للطلبة والأحباب ثم يحيون الليلة بالمعجزات والمدائح.

ليلة السابع والعشرين من رمضان عشاء للطلبة والأهل بعد أن  يقرؤا القرآن ويجعلون الختمة.

بعد مناسبة أعمار ما يسمى “شخشوخة اوعمار” على شكل “الثريد” وهو طعام محبب للطلبة يكرمهم به مع الأهل والأحباب.

كما يحب السمر والجلوس إلى أهله في أوقات الأكل أو مع كأس التاي ويحضر إخوانه فيتجاذبون أطراف الحديث ويسمرون. وكان أحب طعامه ما كان حلوا ويحب اللبن الحامض ويستعمل السكر والملح والليمون.

اعتناؤه بعينيه محافظة على بصره:

كان يغسل عينيه كل صباح في إناء من النحاس نظيف مملوء بالماء كما يعتني بالاكتحال في كل ليلة ولم يشتك بصره ولوفي آخر عمره حيث كان حاد البصر.

أوراده:

لا ينام ليلة ولا يصبح إلا على تلاوة سورة الأنعام كما كان يقيم قسطا من الليل بتلاوة القرآن في فراشه ثم ينام ليقوم في آخر الليل فيتطهر لصلاة ما تيسر في وقت السحر.

وفاته:

قبل وفاته بأسبوع تقريبا نادى جميع أهله ومن في منزله إلى حجرته الخاصة به فوعظهم وأوصاهم بتقوى الله عز وجل.

توفي إلى رحمة الله صبيحة يوم الإربعاء 29 جمادى الأولى سنة 1376هـ يوافقه 2 جانفي سنة 1957م بمحل سكناه بغرداية، إثر صداع ألمّ به بضع ساعات عن عمر يقارب قرنا من الزمن، غسل وكفن في منزله بدار العلم وقد رأوا علامة خير عند غسله وتكفينه بشهادة الغسالين له السادة باحمد رأس انعامة وباحمد أويابه وحموالزعبي والحاج بابكر وله كرامات عديدة ترى عليه إلا أن زوجه الوفية كانت أحرص ما تكون على كتمانها عملا بمدإ الإباضية حيث يكرهون الشهرة ولو على قبورهم.

حمل جثمانه الطاهر على أكتاف الرجال قبل الزوال من ذلك اليوم وحضر جنازته جم غفير من سائر طبقات الأمة والهيئات الدينية من جميع قصور وادي ميزاب، فدفن في مقبرة الشيخ محمد بن يحي المعروف بـ (بابا والجمة) وهي خارج البلدة في الزاوية الشرقية الشمالية. وقد ألقيت بعد الدفن عدة خطب من مشائخ وعلماء أجلاء منهم: الشيخ يوسف بن محمد العطفي، والسيد بوجناح سليمان بن الحاج يحي وغيرهم.

تراثه:

ترك للعلم والإسلام مكتبة ثرية تحتوي على المخطوط والمطبوع في جميع الفنون وقفا مع محل درسه المجاور لمسكنه، وهي من أنفس المكاتب خاصة وأنه رحمه الله كان يجعل لكتبه حواشي مفيدة من شيخه القطب رحمه الله أو من تعاليقه وشروحه لا يستغني عنها المبتدئ ولا يمل منها المتطلع في العلوم  فرحمه الله وجزاه عن الإسلام وأهله خير جزاء.

مصدر هذه الترجمة عن سبطه باباوموسى الحاج ابراهيم بن صالح حيث أدركه وإن كان صغيرا إلا أن أمه قد وافته بمعلومات واسعة، ومن بعض تلامذته مثل الحاج حمو اشقبقب والحاج عمر الزعبي والحاج يحي مصباح وغيرهم ممن أدركه، مع بعض الإضافات من مخطوطة للسيد أوجانه صالح بن ابراهيم مؤرخة 4 شهر الله المعظم رمضان سنة 1377هـ يوافقه 27 مارس سنة 1958م بغرداية.


([1]) وهو الشيخ حمو /  وذلك عام 1907م انظر نص الرسالة في آخر الترجمة.

([2]) وذلك يوم السبت 24 جمادى الثانية سنة 1376هـ الموافق لـ 26 جانفي سنة 1957م وقعت تسميته من طرف جميع الهيئات الدينية لعزابة القصور الخمسة إذ اجتمعوا في مجلس باعبد الرحمان الكرثي في الوادي، ففتحوا عليه شيخا خليفة أخيه، في عقد رسمي من مجلس القاضي باعلي واعمر اعلي بن بكير فكان الله في عونه لإعلاء الإسلام والمذهب.

([3]) وهي خلاصة لرحلته إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج على طريق البحر وقد غادر موطنه صبيحة يوم الجمعة 8 ذي القعدة سنة 1352هـ رفقة جماعة منهم: أخوه الحاج محمد بن باحمد. والحاج احمد بن الناصر تمورغي، والحاج عمر بن باحمد الشيخ صالح، والحاج بكير بن داود طباخ، الحاج امحمد بن ابراهيم بورور، الحاج امحمد بن ابراهيم بابكر، وقد عادوا سالمين في أمان الله بعد أداء مناسكهم ووصلو إلى موطنهم يوم الثلاثاء 23 محرم سنة 1353هـ الموافق 8 ماي سنة 1934م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى